معروف ولد الشيخ عبد الله ومؤتمر ألاك: من التوافق السياسي إلى بناء الدولة
يُعد مؤتمر ألاك، الذي انعقد سنة 1958، من أبرز المحطات التاريخية في مسار تأسيس الدولة الموريتانية الحديثة. وقد مثّل هذا المؤتمر نقطة تحول حاسمة جمعت الفرقاء السياسيين والقبليين حول مشروع وطني موحِّد، وشكّل منطلقًا لبناء دولة مستقلة ذات سيادة. ولعبت شخصيات وطنية بارزة دورًا محوريًا في هذا الحدث، من بينهم المرحوم معروف ولد الشيخ عبد الله، الذي برز كأحد أعمدة المؤتمر وعرّابي الوحدة الوطنية.

خلفية تاريخية:
في خمسينات القرن الماضي، كانت موريتانيا تعيش مرحلة مفصلية وسط تجاذبات داخلية وضغوط خارجية، لا سيما من المستعمر الفرنسي ومن بعض الدول المجاورة التي لم تكن تعترف بالكيان الموريتاني الوليد. كما كانت الانقسامات القبلية والتوجهات السياسية المختلفة تهدد بانقسام البلاد وتعطيل مسار الاستقلال. في هذا السياق، جاء مؤتمر ألاك ليجمع شمل الموريتانيين تحت سقف واحد ويوحّد صفوفهم من أجل مستقبل مشترك.
التحضير للمؤتمر ودور معروف ولد الشيخ عبد الله:
كان معروف ولد الشيخ عبد الله من أوائل الذين دعوا إلى عقد مؤتمر جامع يكرّس وحدة الصف الوطني. وقد اقترح أن تحتضن مدينة ألاك هذا الحدث المفصلي، وهو ما تم بالفعل. لم يكن هذا الاقتراح مجرد اختيار جغرافي، بل كان أيضًا رمزًا للوسطية ولإرادة الانفتاح والوحدة.
تكفّلت قبيلة إديچبَه، التي ينتمي إليها معروف، بتوفير الضيافة والاستقبال للضيوف، في وقت لم تكن فيه المدينة مهيأة لاحتضان الآلاف من الوافدين، حيث تجاوز عدد المشاركين خمسة آلاف شخص، بينما كان المتوقع حضور نحو ألف فقط. ومع ذلك، نجحت الجهود التنظيمية التي قادها معروف في ضمان سير المؤتمر في ظروف مثالية، ما جعله نموذجًا نادرًا في التنظيم والتعبئة.
النتائج السياسية للمؤتمر:
كان من أبرز نتائج مؤتمر ألاك هو انصهار التشكيلات السياسية المتنازعة في كيان سياسي موحد، تمثل في حزب التجمع الموريتاني (حزب الشعب لاحقًا)، الذي قاد البلاد نحو الاستقلال. وتم التوافق على دعم الزعيم المختار ولد داداه ليكون القائد الوطني للمرحلة القادمة، وهو ما أسّس لشرعية وطنية حظيت بتوافق واسع.
دور معروف في إنجاح المؤتمر:

لم يكن دور معروف ولد الشيخ عبد الله في مؤتمر ألاك مجرد مساهمة تنظيمية عابرة، بل تجاوز ذلك ليكون من أبرز الشخصيات التي لعبت دورًا محوريًا في إنجاحه. فقد كان حريصًا على تهيئة الأجواء المناسبة لانعقاد المؤتمر، وساهم بشكل فعال في تسهيل التواصل بين مختلف التيارات الوطنية المشاركة. وخلال جلسات النقاش، كان معروف حاضرًا بروحه التصالحية وفكره المنفتح، حيث أدّى دور الوسيط بين وجهات النظر المتباينة، وسعى إلى تقريب المواقف المتصارعة بما يخدم الهدف الأسمى: بناء توافق وطني حول مستقبل موريتانيا.
وقد تجلّى عمق التزامه بالقضية الوطنية في اللحظة التي أعقبت اختتام المؤتمر، حين قام برفع العلم الوطني الجديد من فوق سطح منزله في مدينة ألاك. لم تكن تلك الخطوة مجرد عمل رمزي، بل تعبيرًا حيًا عن الإيمان بولادة وطن موحد مستقل، يجمع مكوناته المختلفة تحت راية واحدة. هذا التصرف، الذي وثّقته الذاكرة الوطنية، ظل شاهدًا على الدور القيادي الذي اضطلع به معروف في مرحلة التأسيس، وعلى الروح الوطنية التي ألهمت جيلاً كاملاً من بناة الدولة.
ما بعد المؤتمر:
لم تتوقف مساهمة معروف ولد الشيخ عبد الله في خدمة موريتانيا عند محطة مؤتمر ألاك، بل كانت تلك البداية لمسار طويل من العطاء الوطني المتواصل. فبعد المؤتمر، واصل معروف أداء أدوار محورية في بناء مؤسسات الدولة الفتية، حيث شغل عدة مناصب وزارية بارزة، كان من أبرزها وزارة الخارجية التي تولى فيها مهمة تمثيل البلاد في محافل دولية حساسة، وعمل على ترسيخ علاقات موريتانيا الدبلوماسية في مرحلة كانت فيها البلاد تسعى لتثبيت مكانتها على الخارطة الدولية.
كما تولى وزارة التخطيط، حيث أسهم في وضع اللبنات الأولى لسياسات التنمية الوطنية، واضطلع في وزارة الدفاع بدور محوري في إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، في ظل سياق إقليمي معقد يتطلب يقظة ورؤية استراتيجية.
ولم تقتصر مهامه على الداخل، فقد مثّل البلاد في مهام دبلوماسية رفيعة كسفير في دول مثل تونس وإسبانيا، حيث عُرف بحنكته السياسية وقدرته على بناء جسور التعاون مع حكومات تلك الدول، بما يخدم المصالح الوطنية العليا.
ظل معروف ولد الشيخ عبد الله طيلة حياته السياسية والإدارية مثالًا يُحتذى به في النزاهة والاعتدال، وتمسك بقيم الوطنية والعمل الصادق، وهو ما جعله يحظى باحترام واسع داخل موريتانيا وخارجها. لقد كان بحق رجل دولة من الطراز الأول، لم يدّخر جهدًا في سبيل بناء وطن قوي، موحد، وعادل.
خاتمة:
يبقى مؤتمر ألاك 1958 لحظة فارقة في التاريخ الموريتاني، ليس فقط لأنه مهد للاستقلال السياسي، بل لأنه جمع شمل الموريتانيين على كلمة سواء. وكان معروف ولد الشيخ عبد الله من أبرز مهندسي هذا الحدث، وواحدًا من رجال التأسيس الذين أدركوا أن بناء الأوطان يبدأ من توحيد الصفوف وتغليب المصلحة العامة على الحسابات الضيقة. إن استذكار هذا المؤتمر هو بمثابة تذكير دائم بأهمية الوحدة والتضحية في سبيل الوطن.
رئيس التحرير
علي محمد إمليويح


