لماذا يهتفون ضد “ضريبة الهاتف”؟/ حنفي ولد دهاه

آراء

لماذا كلما  فُرضت ضريبةٌ جديدةٌ، دار المشهد بمَنْجَنُونه  المستهتر : احتجاج عارم، و ثورة يعاسيب من وُكناتها، وتحريك بيادق لشنها شعواء على الوزير الأول المختار ولد اجاي،  وشعور طاغٍ أن الدولة تمد يدها لتختلس من جيوب أبنائهامع أن النقاش حول الضريبة المفروضة على الهواتف المحمولة يستحق أن يُنظر إليه خارج لحظة الانفعال، التي تقيد العقول عن الموضوعية و الاتزان.

الضريبة، في جوهرها، ليست عقابًا اقتصاديًا، بل أداة لإعادة توزيع الموارد داخل المجتمعومن هذا المنطلق، فإن أحد المبادئ الأساسية في الفكر الاقتصادي اليساري يقوم على أن من يستهلك أكثر، خصوصًا في السلع الكمالية، ينبغي أن يساهم أكثر في تمويل الصالح العام.

الهاتف المحمول اليوم لم يعد مجرد وسيلة اتصال، لكنه أيضًا سلعة استهلاكية تتفاوت قيمتها بشكل لافتفبين هاتف بسيط لا تتجاوز كلفته عشرات الآلاف، وآخر يربو على المليون ، تتجلى الفوارق الاجتماعية رأيَ العين، ليصبح من المطلوب أن تفرض الدولة ضريبة معتدلة على الهواتف الذكية ذات القيمة المرتفعة.

إن الاعتراض على ضريبة الهاتف غالبًا ما يتجاهل حقيقة مهمة:

 النظام الجديد لم يرفع الرسوم بل خفّضهافبموجب الإصلاحات التي جاء بها قانون المالية لسنة 2026، انخفضت الرسوم الجمركية على الهواتف الذكية من 32.75% إلى 30%، بينما حُددت الرسوم على الهواتف غير الذكية في حدود 12% فقطوهذا يعني أن الدولة اختارت مقاربة متوازنة تجمع بين تنظيم السوق وتخفيف العبء الضريبي.

لكن جوهر الإصلاح لا يتعلق بنسبة الرسوم وحدها، بل أيضًا بطريقة تنظيم السوقفسنوات طويلة من التهريب وعدم التصريح الحقيقي بقيمة الهواتف أدت إلى أن تخسر الخزينة العامة موارد مهمة، وخلقت منافسة غير عادلة بين التجار الذين يلتزمون بالقانون والذين يلتفون عليه.

من هنا يأتي النظام الجديد القائم على تتبع الهواتف عبر رمز التعريف الخاص بالجهاز (IMEI)، والذي يسمح بالتحقق من وضعية الهاتف الجمركيةوبموجب هذه المنظومة، يتلقى المستخدم الذي يستعمل هاتفًا غير مجمرك تنبيهاً يمنحه مهلة خمسة عشر يومًا لتسوية وضعيته قبل تعليق الخدمة على الشبكات الوطنية.

هذه الآلية لا تستهدف المستخدم بقدر ما تهدف إلى تنظيم سوق ظلت لسنوات خارج الرقابة الضريبية.

من زاوية اقتصادية أوسع، تبدو الضريبة على الهواتف منطقية إذا ما قورنت بطبيعة الاقتصاد الموريتانيفالدولة تعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات الجمركية والضريبية لتمويل الخدمات الأساسية، من تعليم وصحة وبنية تحتيةوفي غياب قاعدة صناعية واسعة أو نظام ضريبي مباشر قوي، تصبح الضرائب على الاستهلاك إحدى الأدوات المتاحة لتمويل المرافق العامة.

فهل من العدل أن تتحمل الدولة عبء تمويل الخدمات العامة بينما تبقى بعض الأسواق الاستهلاكية الكبرى خارج النظام الضريبي؟

إن الدفاع عن الضريبة على الهاتف لا يعني الدفاع الأعمى عن كل سياسة ضريبية دون نقاش ولامساءلةفالفكر اليساري، الذي يقوم أساسًا على العدالة الاجتماعية، يميز دائمًا بين الضرائب العادلة والضرائب الجائرة، وقاعدته المؤكدة في هذا السياقأن الضرائب ينبغي أن تكون أخف على الضروريات وأثقل على الكماليات.

والهاتف، خصوصًا في فئاته باهظة الثمن، يندرج ضمن سلع الاستهلاك غير الأساسية التي يمكن أن تتحمل نسبة معتدلة من الضرائب دون أن يترتب على ذلك حيف اجتماعي.

بل، المفارقة أن جزءًا كبيرًا من الغضب الشعبي تجاه هذه الضريبة يعكس أحيانًا تصورًا ثقافيًا يعتبر الهاتف حقًا طبيعيًا غير قابل للمساءلة الضريبية، في حين أن المجتمع نفسه يقبل بسهولة فرض الضرائب على كماليات أخرى أقل حضورًا في الحياة اليومية.

في النهاية، لا يتعلق النقاش الحقيقي بنسبة الرسوم فقط، بل بنوع العقد الاجتماعي الذي نريدهفالدولة التي تسعى إلى تمويل خدمات عامة أفضل تحتاج بالضرورة إلى موارد، وهذه الموارد لاتمطرها السماء ذهباً و لا فضة.

وإذا كان منطق العدالة الضريبية يقضي بأن يتحمل الأقوى اقتصاديًا نصيبًا أكبر من العبء، فإن فرض ضريبة معتدلة على سلعة استهلاكية واسعة الانتشار مثل الهاتف المحمول يبدو خيارًا أقرب إلى تنظيم السوق وتوزيع الأعباء منه إلى إثقال كاهل المواطنين بالإتاوات و المكوس.

فالسؤال الأجدر، إذن، بأن يتصدر النقاش العام ليسلماذا فُرضت هذه الضريبة؟ بلإلى أين تمضي عائداتها، وأيُّ أثرٍ تتركه في حياة الناس؟ فالضريبة، في جوهرها، ليست رقمًا يُضاف إلى فاتورة الاستهلاك، بل وعدٌ اجتماعيٌّ بأن تتحول موارد المجتمع إلى منفعةٍ تعود إليهفإذا آلت حصيلتها إلى مدارس، ومستشفياتٍ، وطرقٍ، فإن الضريبة تغدو شراكةً في بناء الصالح العام، لا عبئًا يُثقل الكواهلأما إن ضاعت في دهاليز الغموض، فإن الاعتراض عليها يصبح مشروعًا، حتى لايجتمع للمواطن البائس « حشف و سوء كيل ».

ولعل ما يغذي الاعتراض ليس الضريبة في ذاتها، بل الارتياب في مصيرهافما كان المواطن ليضيق بالضريبة لو رأى من الدولة جدية في محاربة الفساد، و صرامة في مساءلة الفاسدين، وحرصاً على أن تعود الأموال إلى الناس في صورة خدمات ومرافق وفرصغير أن ما لا يستسيغه صغار التجار، ولا يطمئن إليه وجدان المجتمع، هو أن يساورهم الظنون في أن عائد هذه الضرائب قد ينتهي إلى شقق فاخرة في لاس بالماس، أو إلى قلائد عقيانٍ تتزين بها  ترائب حليلات المسؤولين وخليلاتهمفغياب الشفافية هو ما يبرر الاعتراض على مآل الضريبة وليس  على مبدئها.

ثم، إنه ينبغي التنبيه إلى أن الإصلاحات الاقتصادية، نادرًا ما تكون محبوبة في لحظتها الأولى، حتى لدى أولئك الذين سيجنون ثمارها و يحصدون غلتهاومن ثمّ، لا يبدو حكيمًا أن تتصيد بعض الأجنحة داخل النظام الإجراءات غير الشعبية لتشن بها حملاتها شعواء على الوزير الأول، وكأنها تقف خارج المركبفالدولة ليست ساحة مبارزة بين خصوم، بل سفينة واحدة تمخر ثبج بحر متلاطم الأمواج؛ فإن خرقوها، وتسرب الماء إلى جوفها، لم يغرق خصمهم المفترض وحده، بل سيحل بهم جميعهم الويل والثبور وعظائم الأمورففي لحظات الإصلاح الكبرى، يكون التماسك السياسي وحدة شرط النجاة، أما الأغبياء المزايدون فلا ملجأ لهم حين يصفرّ الوطاب..