ترشيد أم تحميل للمواطن؟ / علي محمد امليويح
في كل مرة تلوح فيها أزمة دولية أو اضطراب اقتصادي، تتجه السلطة في موريتانيا إلى نفس الوصفة الجاهزة: دعوات مكثفة للترشيد، تقليص للنفقات، وخطاب أخلاقي موجه للمواطن حول مخاطر الإسراف والتبذير. غير أن هذا الخطاب، الذي يبدو ظاهريًا عقلانيًا، يخفي في عمقه مفارقة صارخة: تحميل المجتمع تبعات اختلالات لم يكن طرفًا في صناعتها.
الإجراءات الأخيرة التي دعت إلى تأجيل الأنشطة، تقليص النفقات، وسحب بعض وسائل العمل، ليست في جوهرها إصلاحًا بقدر ما هي محاولة لإدارة أزمة بأسلوب إداري تقليدي، يفتقر إلى الجرأة اللازمة لمعالجة جذور المشكلة. فبدل مساءلة أنماط التسيير، وإعادة ترتيب الأولويات وفق رؤية استراتيجية، يتم اللجوء إلى حلول سريعة، ظاهرها الانضباط وباطنها الهروب إلى الأمام.
تحويل الترشيد إلى خطاب أخلاقي موجه للمجتمع، عبر الإعلام والمنابر، يطرح إشكالًا عميقًا: هل المشكلة فعلًا في سلوك المواطن؟ أم في منظومة تسيير عمومي تعاني من الهدر وسوء التقدير وغياب الفعالية؟
إن مطالبة المواطنين بالاعتدال في استهلاكهم، في وقت تتكرر فيه مشاهد التبذير داخل بعض الإدارات، يفقد هذا الخطاب أي مصداقية. فالثقافة لا تُفرض من الأعلى، ولا تُبنى عبر التوجيهات، بل تتشكل من خلال القدوة. وعندما تغيب هذه القدوة، يتحول الترشيد إلى مجرد شعار بلا مضمون.
من أخطر ما تكشفه هذه السياسات هو طابعها الانتقائي. فالإجراءات غالبًا ما تطال الأنشطة الاجتماعية والخدمات ذات الأثر المباشر على المواطنين، بحجة “عدم الأولوية”، بينما تظل مجالات أخرى بمنأى عن أي مراجعة جدية.
هذا النوع من التقشف لا يعكس عدالة في توزيع الأعباء، بل يعمق الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي. فكيف يمكن الحديث عن ترشيد، في حين يُطلب من قطاعات حساسة تقليص برامجها، بينما لا يُرى أثر حقيقي لإصلاح شامل يطال بنية الإنفاق العمومي؟
ما يحدث اليوم ليس إدارة رشيدة للأزمة، بل إدارة مؤقتة لتداعياتها. فالتعامل مع الأزمات عبر قرارات استعجالية، دون رؤية بعيدة المدى، يجعل من الترشيد مجرد رد فعل، لا سياسة مستدامة.
الأزمات العالمية، بما فيها الحروب واضطرابات سلاسل التوريد، ليست مبررًا كافيًا لتبرئة السياسات الداخلية من مسؤوليتها. بل على العكس، هي اختبار حقيقي لقدرة الدولة على التكيف عبر إصلاحات عميقة، لا عبر إجراءات سطحية.
الرهان على التعليمات الصارمة، والتأكيد على إلزامية التنفيذ، يعكس تصورًا تقليديًا للسلطة، يقوم على الامتثال لا على الإقناع. غير أن تغيير السلوكيات، سواء داخل الإدارة أو في المجتمع، لا يمكن أن يتم عبر الأوامر وحدها.
فالترشيد ليس قرارًا إداريًا، بل ثقافة تتطلب ثقة، وهذه الثقة لا تُبنى إلا عبر الشفافية والمساءلة. وعندما يشعر المواطن أن الأعباء تُفرض عليه دون أن تُقابل بإصلاحات حقيقية، فإنه يتعامل مع هذه الدعوات بشك ولامبالاة.
في جوهر الأمر، لا تعاني البلاد فقط من ضغط الموارد، بل من أزمة ثقة في كيفية إدارتها. فالمشكلة ليست في ندرة الإمكانيات بقدر ما هي في غياب رؤية واضحة لكيفية توظيفها.
إن الاستمرار في نفس النهج، القائم على الترشيد الظرفي والخطاب التوجيهي، لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج نفس النتائج: إجراءات مؤقتة، تأثير محدود، واستياء متزايد.
الخلاصة:
الترشيد ليس مجرد دعوة للاقتصاد في الاستهلاك، بل هو قبل كل شيء إصلاح لمنظومة الإنفاق، وإعادة تعريف للأولويات، وترسيخ لثقافة المسؤولية داخل مؤسسات الدولة نفسها.
أما حين يُختزل في حملات توعوية وقرارات إدارية ظرفية، فإنه يتحول إلى أداة لتأجيل الإصلاح، لا لتحقيقه.
وفي ظل هذا الواقع، يبقى السؤال الأهم معلقًا:
هل نحن أمام سياسة ترشيد حقيقية… أم مجرد إعادة تدوير للأزمة؟
علي محمد امليويح
رئيس تحرير موقع لبراكنة بوست


