لا مكان للخطاب الشرائحي في موريتانيا الحديثة / علي محمد امليويح

آراء

شهدت منصات التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة تداول منشورات مثيرة للجدل، أعادت إلى الواجهة النقاش حول ما يُعرف بـ”القضية الشرائحية” في موريتانيا، بين مكوني البيظان ولحراطين. هذه المنشورات، التي اتسمت في بعض جوانبها بخطاب تمييزي وعنصري، أثارت استياء واسعا في الرأي العام، لكونها تضرب في صميم وحدة المجتمع الموريتاني وتناقض المسار الوطني الجامع.

من المعلوم أن العبودية بوصفها ممارسة اجتماعية لم يعد لها وجود في زمننا المعاصر، وما تبقى ليس سوى رواسب تاريخية تحاول بعض الأصوات المتطرفة استغلالها لإذكاء الفتن وشحن النفوس. إن الإصرار على إعادة إنتاج هذه الخطابات لا يخدم سوى أجندات ضيقة، في حين أن الحقيقة الراسخة هي أن التمييز العنصري مرفوض دستوريا ومجتمعيا، ولا مكان له في دولة المؤسسات.

الواقع أن كل الطبقات الاجتماعية في موريتانيا تضم الغني والفقير على حد سواء، ولا يمكن اختزال أي شريحة في صورة واحدة نمطية. الادعاء بأن لحراطين مغيبون عن مراكز القرار أو القيادة العليا في المؤسسة العسكرية، يغفل حقائق موضوعية، أهمها أن ضعف الحضور المبكر لشريحة لحراطين في مؤسسات التعليم العالي قبل سبعينيات القرن الماضي كان سببا رئيسيا في محدودية تمثيلهم في بعض المناصب الحساسة لاحقا. فقبل سنة 1970 لم يكن التعليم يحظى بالاهتمام الكافي داخل هذه الشريحة، وهو ما انعكس على مستوى المشاركة.

ومع ذلك، فإن كل من التحق بالركب التعليمي من أبناء لحراطين قد جنى ثماره بالفعل، لكن قلة أعدادهم آنذاك جعلت تأثيرهم محدودا نسبيا. أما اليوم، فالوضع يشهد تحولا كبيرا، حيث يتزايد إقبال أبناء هذه الشريحة على التعليم والتأطير الأكاديمي، ما سيفتح المجال أمام حضور أكبر وأكثر تأثيرا في مختلف المجالات.

كما أن البيظان أنفسهم، رغم توجههم المبكر نحو التعليم، ما زال فيهم من يعاني الجهل والفقر معا، وهو ما يثبت أن القضية ليست شرائحية بقدر ما هي مرتبطة بالخيارات الفردية والظروف الاقتصادية والاجتماعية.

إن جمال موريتانيا يكمن في تنوع مكوناتها وتعدد ثقافاتها، فالوحدة الوطنية لا تُبنى على النبش في جراح الماضي، وإنما على استثمار هذا التنوع في تعزيز التماسك الاجتماعي والارتقاء بمستوى الوعي المشترك.

ختاما، على الجميع أن يدرك أن المستقبل لا يُبنى بخطابات الإقصاء والتحريض، بل بالعمل المشترك على رفع التحديات التي تواجه الوطن، من تعليم وتنمية وعدالة اجتماعية. وموريتانيا، بتاريخها العريق وتعددها الثقافي، قادرة على تجاوز هذه الأصوات النشاز، لتظل أرضا جامعة تحتضن جميع أبنائها دون تمييز.