منتسبو المهن شبه الطبية يحذرون من تبعات مراجعة قانون الصيدلة لسنة 2010: تغييب وتشريعات تهدد استمرارية الخدمات الصحية

الأخبارصحة

وجه عدد من منتسبي المهن شبه الطبية في موريتانيا رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، أعربوا فيها عن قلقهم العميق من المسار الذي تسلكه مراجعة قانون الصيدلة الصادر سنة 2010، مؤكدين أن العملية تتم بشكل متسارع وفي غياب أي تشاور مع الفاعلين الميدانيين الذين يمثلون ـ حسب تعبيرهم ـ العمود الفقري للمنظومة الصحية في البلاد.

وأوضح الموقعون على الرسالة، وهم ممرضون، قابلات، وفنيون صحيون من مختلف ولايات الوطن، أن هذه الفئات تُشكل أكثر من 80% من مقدمي الخدمات الصحية، و90% من منفذي السياسة الدوائية، ومع ذلك تم تغييبهم بشكل كامل عن اللجان الفنية المكلفة بإعداد الصيغة المعدلة لقانون الصيدلة، ما يثير ـ حسب قولهم ـ شكوكًا قوية بشأن نوايا بعض الجهات في القطاع.

الخصوصية الموريتانية ومخاطر الاستنساخ

وأكدت الرسالة أن مراجعة القوانين ينبغي أن تتم وفق الخصوصيات الوطنية، لا بنقل نماذج جاهزة من بلدان أخرى تختلف كليًا عن موريتانيا في المساحة، والبنية التحتية، وتوزيع السكان، ومستوى الولوج إلى الخدمات الأساسية. وقال أصحاب الرسالة:

“موريتانيا ليست تونس ولا فرنسا ولا السنغال، ولكل بلد معاييره وواقعه، ومجال الأدوية لا يخرج عن هذه القاعدة”.

وفي هذا السياق، شددوا على أن النظام الصحي الوطني لا يزال يعتمد ـ بحكم الضرورة ـ على الممرضين والقابلات والفنيين في تقديم خدمات حيوية في المناطق الداخلية، حيث تتعذر تغطية الأطباء والصيادلة، الذين يفضلون البقاء في المدن الكبرى ويعزفون عن العمل في الظروف الصعبة بالمناطق النائية.

الواقع يسبق القانون… والمهنيون مهددون بالملاحقة

الرسالة أكدت أن القانون الحالي ـ رغم ما يشوبه من نواقص ـ أعطى للممرضين بعض الغطاء القانوني للقيام بمهام لا غنى عنها، كتشخيص الأمراض البسيطة، وصرف الأدوية الضرورية، وإنقاذ الحالات المستعجلة، مشيرين تحديدًا إلى المادة 64 من قانون الصيدلة 2010، التي تتيح للعاملين شبه الطبيين وصف وصرف الدواء في ظل غياب الطواقم الطبية والصيدلانية، وهو ما مكن منذ عقود من إنقاذ آلاف الأرواح وتخفيف معاناة المرضى في المناطق النائية.

“لو لم ينص القانون على هذه المهام، لما تمكن ممرض في قرية نائية من علاج طفل يتقيأ أو مصاب بالإسهال أو الحمى. هذا واقعنا الذي يريد البعض الآن تغييره بتشريعات لا تراعي الظروف ولا الإمكانيات”، تقول الرسالة.

تحذير من أزمة قطاعية… وتداعيات محتملة

وحذّر المهنيون في رسالتهم من أن إقرار الصيغة الحالية من القانون، التي يجري إعدادها في “غرف مغلقة” حسب وصفهم، دون إشراك الفاعلين الميدانيين، قد يؤدي إلى تعطيل شبه تام للخدمات الصحية في الداخل، حيث سيتعذر على الممرضين والقابلات الاستمرار في تقديم خدماتهم دون حماية قانونية واضحة، مما سيضطرهم قانونيًا للتوقف، ما ينذر ـ حسب الرسالة ـ بأزمة صحية خانقة، سيكون المتضرر الأول منها هو المواطن البسيط.

كما أشاروا إلى أن بعض الأطراف المتنفذة في السوق الدوائي، والمرتبطة بشبكات توزيع تجارية، هي من تدفع باتجاه هذه التعديلات بغرض احتكار صرف وتوزيع الأدوية، وإقصاء الفاعلين غير المرتبطين بهذه الدوائر، وهو ما يتعارض ـ وفق نص الرسالة ـ مع روح الخدمة العمومية التي يفترض أن تقوم عليها السياسة الصحية.

نداء إلى رئيس الجمهورية: التدخل العاجل قبل فوات الأوان

وفي ختام الرسالة، دعا المهنيون رئيس الجمهورية إلى التدخل العاجل عبر إصدار تعليمات واضحة لوزارة الصحة من أجل إشراك ممثلي المهن شبه الطبية في اللجان الفنية التي تراجع القانون، مؤكدين أن هذه الخطوة ضرورية من أجل ضمان عدالة التشريع ومراعاة الواقع العملي.

“نرفع إليكم هذه الرسالة لا شكاية ولا معارضة، بل براءة ذمة وحرصًا على تنبيه المسؤول الأول عن السياسات العمومية لما يمكن أن يترتب على هذا القانون من أزمات وتعطيل للخدمات الأساسية”، ختم المهنيون رسالتهم.

وأرفق الموقعون على الرسالة أسماءهم، ولاياتهم، وأرقام هواتفهم وتوقيعاتهم، مؤكدين استعدادهم الكامل للحوار والمساهمة في أي جهد وطني لإصلاح قطاع الصحة، شرط أن يكون إصلاحًا نابعًا من الميدان، لا من المكاتب.